ثلاثون سرابًا

اليوم أتممت عامي الثلاثين، وكنت نويت من عدة أشهر أن أقضي هذه السويعات الأخيرة من عامي الثلاثين مستفردا على شاطئ البحر، وقد كان.

ما يلي نثر للكلام بلا طائل ولا نظم ولا ترتيب.

أكاد أرى حيواتي (جمع حياة) ماثلة أمامي، هذا التعبير الذي اتخذته وصفا لمراحل حياتي المتباينة، تباين ظاهري وباطني، عشنا وشفنا، والله عشنا وشفنا.

في حياة ما كنت أريد أن أصبح كاتبا روائيا وقصصيا... حلم سخيف، أردت أن أكون رساما وفنانا... حلم سخيف، أردت أن أصنع شركة ألعاب ضخمة... حلم سخيف، أردت أن أكون مدرسا في الجامعة... حلم سخيف، أردت أن أكون رب أسرة سعيدة... حلم سخيف، وغيرها الكثير.

كل تلك الأحلام كان خط نهايتها الثلاثين عاما، كان ينبغي أن أكون أحدها، أو بعضها.

طبعا ليست سخافة الأحلام في ذاتها بالضرورة ولكن في فعل الحلم ذاته، أدركت أن الحلم إما شجاعة أو حمق، وفي حالتي أظنه كان حمقا، شيئا فشيئا تتلاشى الأحلام ويفرض الواقع نفسه بلا مشاورة، مرة تلو الأخرى تجد واقعا مختلفا حل محل أحلام مضت... إلى أن يدرك المرء أنه لم يعد يحلم... أنه مستيقظ دوما.

أدركت اليوم أنني أعيش حلما جميلا، يغبطني عليه كل من يسمعه، إلا أنه ليس حلمي.

حتى المشاعر، كأن لكل شعور رصيدا استهلك خلال العقد الأخير، فرح، غضب، حب... ثم حزن، مع كل حدث تنحصر المشاعر، حتى تتلاشى هي الأخرى.


ثم يصبح أشجع ما للمرء فعله أن يستمر في الوجود، رغم تلاشي الأحلام والطموحات، رغم تلاشي الآمال والآلام، رغم تساوي كل شيء، يختار أن يستمر.

من لا يتوقع شيئا سيسعده أي شيء، وهذا حسن.

أما الذكريات، فهي سيل عارم لا حد له، خاصة لمن قدر له التبدل والتغيى حتى لم يبقى له شيء على حال، فلا الدور هي الدور، ولا الأهل هم الأهل، ولا الأصدقاء هم الأصدقاء، ولا أنا هو أنا.

في طفولتي كنت أهوى جمع الحجارة، خاصة تلك التي ارتسمت عليها آثار السنين، ربما لأنني كنت أرى جمالا في الزمان إذا تجلى، اليوم أجد نفسي بين فترة وأخرى أحدق في وجهي في المرآة، أتأمل تسلل الشيب لشعري ولحيتي، أتأمل عيني، تلك التي كانت حادة مشتعلة، لكنني اليوم أرى فيها ما لا يراه الناس.

أزعم أنني عشت أحداثا قلما تجتمع في عمر مثلي، وما زلت بين الحين والآخر أتأمل آثارها عليّ، سعيدها وحزينها، وما زلت أقف عند ذلك الحدث الذي لا أظنني سأنساه ما حييت، سقى الله تلك الأيام...

عندما يدرك المرء أنه يعيش في عالم غريب لا يألف شيئا منه، يحرق وقتها كل خرائطه التي رسمها، وخططه التي دبرها، وغالبا ما يرتمي في الواقع الجديد بلا تدبير، لأنه علم أن التدبير ينقطع بأدنى تغير، وأن أمواج التغيير لا موسم لها، بل تضرب وفق القضاء والقدر بلا سابق إنذار.

مما يتأصل مع مضي العمر، حاجة الإنسان لحضور لمسرحية حياته، كأن الأحداث التي لا يحضرها شخص عزيز لم تحدث وإن ملأت الدنيا.

أمر غريب استشعرته مؤخرا، أن الهدوء صار نادرا، رغم أنه كان حاضرا في ذكرياتي بكثرة، هل العالم أصبح فعلا صاخبا؟ أم أن حساسيتي للأصوات ارتفعت؟

يا ترى، لو قدر لي أن التقي بياسر قبل عشر سنين، ماذا كنت سأقول؟

أما ما ظننته عارضا سيزول وتعود الحياة زهية كما كانت، فهو جوهرك الذي لن يفارقك، فألوان الحياة قسمة لا يتساوى الخلق فيها.

لا تتبرم من النوائب إذا اجتمعت، فلها حق فيك ستأخذه ثم ترحل عنك، ولا تسأل عن الحب، سيأتي في وقته ويرحل في وقته هو الآخر.

أخيرا، كل ما تحتاجه من جلد وشجاعة هو ما تجاوز به يومك الحالّ فقط، وكل يوم بيومه بمحنه ومنحه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مسرحية الحياة في هجوم العمالقة - الجزء الأول

مسرحية الحياة في هجوم العمالقة – إرين ضحية وجودية سارتر

أنت مقصود الوجود